حبيب الله الهاشمي الخوئي
46
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
مسلك عقلي آخر في أمر الإمامة أيضا ولما كانت هذه المسألة من أهم المسائل واكتفى بعض الناس فيها بالاقناعيات والخطابيات بل بالوهميات الَّتي لا اعتداد بها في نصب الإمام وأطفئوا نور العقل وعطلوه عن الحكم والقضاء ومالوا عن الجادة الوسطى وجانبوا الأدلَّة القطعية العلمية والأصول اليقينيّة البرهانية الهمت أن أسلك طريقة أخرى عقلية في تقريرها وتحريرها عسى أن يذكَّر من تيسّر لليسرى فنقول وباللَّه التوفيق وبيده أزمة التحقيق : العقول حاكمة بأنّ أحوال العالم كلَّها إنما قامت على العدالة وبأن الأنبياء بعثوا ليقوم النّاس بالقسط وبالعدل قامت السماوات والأرض وبه ينتظم جميع أمور النّاس وبه يصير المدينة مدينة فاضلة وبالعدالة المطلقة يعطى كلّ ذي حق حقّه وبه تحصل الكمالات العلميّة والعمليّة المستلزمة لنيل السعادة الأبدية والقرب إلى عالم القدس والايصال إلى المعبود الحق وهو سبب الفوز والنجاة في الدّنيا والآخرة ولولا العدل لاختل نظام العالم ونظم اجتماع بني آدم وتعطل الحدود والحقوق واستولى الهرج والمرج وفسد أمر المعاش والمعاد ولزم غيرها من المفاسد الَّتي لا تعدّ ولا تحصى ، فالناس يحتاجون في كلّ زمان إلى امام خيّر مطاع حافظ للدين عن التغيير والتبديل والزيادة والنقصان ويكون هادي الأمة إلى ما فيه الفلاح والنجاح ورادعهم عن العدول عن الصراط المستقيم والانحراف عن النهج القويم وعن الميل إلى الأهواء المردية والآراء المغوية وسائقهم إلى طريق الاستقامة الَّتي لا ميل فيها إلى جانبي الافراط والتفريط فان اليمين والشمال مضلَّة والوسطى هي الجادّة ، ومعطي كلّ ذي حقّ حقّه ومقيم الحدود ومؤدى الحقوق والعدل في كلّ شيء هو وضع ذلك الشيء في موضعه أي إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه بحسب استعداده واستحقاقه وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه يحتاج إلى العلم بحقائقهم وقدر استحقاقهم واستعدادهم والاطلاع على الكلَّيات والجزئيات وإحاطتها على ما هي عليه وهى غير متناهية فهي غير معلومة إلَّا للَّه تعالى ولخلفائه الذين اصطفاهم ، فالإمام